السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
يوجد أمران هامان نحتاج لاستحضارهما دائما حين نرى بعض الاختلافات في ما بيننا في فهم القرآن والسنة وفي تنزيلهما في واقعنا اليومي أولهما أن البشر بصفة عامة يتراوحون في التعامل مع النصوص التي يقرؤونها بين النظر إلى ظاهر الألفاظ التي يقرؤونها وبين المعاني التي تستبطنها هذه الألفاظ . وهذا الأمر ليس متعلقا بالضرورة بالنصوص الدينية ، ولا بالمسلمين ، وإنما هو ظاهرة بشرية عامة . ولكن آثار هذا التنوع البشري تصبح أهم وأكبر عند التعامل مع النصوص الدينية كالقرآن والحديث النبوي وللإمام ابن القيم عبارة هامة في كتابه ( إعلام الموقعين عن رب العالمين ) ، يصنّف فيها الناس في تعاملهم وتعاطيهم مع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية إلى صنفين . قال رحمه الله : " وَالْأَلْفاظ لَيْسَت تَعَبدِيَّة ، والْعارف يقول ماذا أَراد ؟ واللَفْظيُّ يقول ماذا قال ؟ ". ومعنى هذه العبارة أن هناك صنفين من الناس صنف يسأل ماذا قال ؟ ، وصنف يسأل ماذا أراد ؟ . وبين ابن القيم أن العلم الحقيقي هو معرفة ماذا أراد . أما معرفة ماذا قال ، فهذه يصل إليها الجميع ، حتى الأطفال ، ولذلك قد نجد طفلا يحفظ القرآن ولا نقول إنه عالم أو مفسر ، ونجد شابا يحفظ المتون الفقهية ولا نقول إنه فقيه . ولذلك ذكر أبو حامد الغزالي أنّ من جمع وحفظ النصوص والألفاظ والروايات ، كان يسمى " وعاء من أوعية العلم " ، يقال فلان من أوعية العلم ، واعتبرها عبارة مدح من جهة ، وعبارة انتقاص من جهة أخرى ، لأنه جمع وحفظ ، كما يجمع الوعاء ويحفظ ما يوضع فيه . هذه المراوحة بين الوقوف عند ظاهر الألفاظ وبين التعمق في فهم مقاصد الكلام ، تمثل أهم عامل من عوامل التنوع بيننا كمسلمين فنحن نختلف في درجات التركيز على الألفاظ والمعاني . وهذا ما قصده ابن القيم . وهذا التأرجح بين الوقوف عند اللفظ والبحث عن المعنى في واقعنا ، وأما الأمر الثاني الذي ينتج هذا التنوع الطبيعي، فيتعلق بما يسمى ثنائية التحريم والتحليل ، أو ثنائية التشديد والتخفيف أو ثنائية التيسير والتعسير ، التي يختلف فيها الناس اختلافا طبيعيا داخل وخارج إطار التدين في الأمور الدينية والأمور الدنيوية . غير إنّ سبب تنوع المسلمين في المراوحة بين التيسير والتعسير أو التشديد والتخفيف ، يعود إلى ثلاثة عوامل رئيسية أولها عامل وراثي تنتقل من خلاله الخصائص النفسية من الآباء للأبناء وثانيها عامل تربوي يتأثر من خلاله الإنسان بعشرات الأشخاص المحيطين به في البيت والمدرسة والشارع والعمل نتيجة العلاقات الاجتماعية وثالثها متعلق بالصعوبة المقصودة التمييز بين ما هو حلال بيّن وما هو حرام بيّن وما هو متشابه ، وبصعوبة التمييز بين ما محله التيسير ومراعاة القواعد والمقاصد والظروف والأحوال ، ودفع الحرج عن الأمة ، وما محله الورع واجتناب المشتبهات وإتباع الأحوط وسد الذرائع . وهذه الأمور بطبيعتها أحكام ذاتية وليست موضوعية ، ولذلك فلا يمكن أن يتعامل معها الناس جميعا بنفس الأسلوب والمنطق .
نسأل الباري جل شأنه أن ينفعنا بعلمه بما نقرأ وما نكتب .